السياسة الدولية وتاريخ مصر المعاصر: لماذا اقالت موسكو سفيرها في طرابلس؟ : عقد على الفوضى الخلاّقة في ليبيا

ما إن اندلعت التظاهرات المناوئة للعقيد معمر القذافي، في بنغازي، يوم السابع عشر من شباط/ فبراير 2011، وامتدت خلال أيام إلى المدن الأخرى، حتى أصبح الخبر الليبي، يتصدر نشرات الأخبار.

لم تقف قناة "روسيا اليوم" حديثة الانطلاق، متفرجة عن بعد لتطورات، في بلد كانت قيادته، أبرز حلفاء موسكو في الحقبة السوفيتية، وجرى اتخاذ القرار بالسفر مع فريق تصوير إلى طرابلس، والسعي لإجراء حوارات مع كبار المسؤولين، وفي المقدمة بالطبع، العقيد معمر القذافي الذي تحولت عبارته الشهيرة "من أنتم" أطلقها أثناء خطاب من شرفة القصر الرئاسي لأزمة لنشرات الأخبار في الفضائيات العربية التي تحالفت، رغم اختلافاتها، على تغطية الاحتجاجات الشعبية، برؤية بدت متحيزة ضد نظام الزعيم الليبي، المثير للجدل، والذي كانت صراحته صادمة للقيادات العربية التقليدية، ذات الخبرة، أيضا، في القمع ومحاربة الحريات وزج المعارضين في السجون.

وصلنا إلى مطار تونس العاصمة، على أن نسلك الطريق البري عبر الحدود مع ليبيا. فقد سارع التحالف الأطلسي بعد تفجر التظاهرات إلى فرض حظر جوي على الطيران إلى ليبيا، وحتى قبل ذلك، لم تكن هناك رحلات جوية مباشرة بين موسكو وطرابلس على الرغم من أن الكرملين، بعد وصول فلاديمير بوتين إلى سدة الرئاسة، أخذ يستعيد علاقات التعاون والشراكة مع حلفاء موسكو السوفيتية التقليديين في العالم العربي.

استقبل بوتين القذافي في صقيع موسكو. وقام بنصب خيمته الشهيرة في باحة الكرملين، وقدم للرئيس الروسي، القهوة وحليب النوق، وتسرب للاجتماع الدفء من موقد بدوي، ولعل الزعيمان الروسي والليبي، شعرا بضرورة عودة الخط الساخن إلى مفاصل العلاقات الليبية الروسية، وجرى الاتفاق بالأحرف الأولى على معاهدات للتعاون الاقتصادي والعسكري التقني بقيمة 9 مليارات يورو، كما أبلغني السفير الموهوب، فلاديمير تشاموف الذي أقاله خليفة بوتين في الرئاسة دميتري مدفيديف، من منصب سفير روسيا الاتحادية المفوض فوق العادة في الجماهيرية الشعبية الليبية العظمى، لأسباب سنذكرها لاحقا.

كانت تونس، خرجت للتو من ربيعها، وهرب الرئيس زين الدين بن علي إلى المملكة العربية السعودية مع أسرته، وتحولت عاصمتها إلى ملاذ للهاربين من ملاحقة الأجهزة الليبية، وصار التونسيون، يقدمون الدروس في إدارة الاحتجاجات.

هكذا بدت لنا الصورة، من خلال رصدنا لتحركات معارضين ليبيين، وصلوا تونس من بلدان أوروبا والولايات المتحدة، وسط تقارير، تشير الى أن حركة انشقاقات، تمور، داخل المؤسسة الليبية الحاكمة، بتدبير من عواصم إقليمية ودولية.
في الطريق، نحو ليبيا عبر المدينة الحدودية التونسية (راس جدير) كانت تتدفق مئات السيارات القادمة من ليبيا، تحمل مواطنيين، يحاولون النجاة من حرب مدمرة قادمة، إلى جانب الألوف من العمال العرب والأفارقة تقطعت بهم السبل بفعل اندلاع الاضطرابات، وتوقف شبه كلي للنشاط التجاري والخدمي.

إضافة إلى عشرات السيارات بأرقام دبلوماسية لدول قررت سحب أو تجميد علاقاتها مع طرابلس إما عن موقف معاد لنظام العقيد، أو خوفا على حياة مواطنيها من قنابل حرب الناتو القادمة.

وصلنا النقطة الحدودية (أبو جدير) في ظهيرة، دافئة، تزداد سخونة، بسبب زحام السيارات، القادمة من الأراضي الليبية.

وعلى وجوه ركابها، علامات ذعر، وهلع مكبوت، وشفاه متيبسة، كأنهم قطعوا الصحراء مشيا على الأقدام، وتاهوا بحثا عن ماء.

ليبيون بالزي الأوروبي، وآخرون بالأزياء المحلية، لحى شعثاء، ونسوة يتشحن السواد، وكأن ليبيا كلها، خرجت في مأتم تبدأ سرادقه من طرابلس الغرب مرورا ببنغازي، وصولا إلى الحدود التونسية التي تبدو خضراء على حافة مدن الملح.

كان يصعب تمييز، الليبي من غيره، فقد ضيع الحزن والقلق، الملامح، وبدت كل الوجوه كالحة، تزيدها قتامة عربات نقل كبيرة، تنوء بأفارقة، يحملون أسمالا هي كل ما تبقى من ذاكرة مثقوبة عن نعيم الجماهيرية البائد، وملك ملوك إفريقيا كما كان يحلو للعقيد مغازلة القارة السمراء ساعيا للتربع على عرشها بالبترودولار، والحروب العبثية، واستضافة السحرة والمشعوذين.

قبل أن نجتاز الحدود التونسية، أوقفنا الحرس الليبي طالبا، اعتمادا صحفيا لفريقنا التلفزيوني، ولم تنفع هوياتنا في إقناعهم بالعبور إلى الداخل. أصروا على عودتنا إلى تونس العاصمة والاتصال بالمكتب الشعبي (السفارة) الليبية، وأكدوا لنا أن الطيران بين تونس وطرابلس ما يزال مفتوحا، وأن رحلة يومية ما تزال متاحة إلى اليوم.

خاطبنا ضابط ليبي بمودة:

الأفضل مع معداتكم الثمينة، أن تسافروا جوا، فالطريق البري لم يعد آمنا.
قفلنا عائدين إلى تونس العاصمة، بعد أن أجرينا، اتصالا مع السفارة الروسية في طرابلس، وسمعنا منهم أيضا أن الأجواء بين ليبيا وتونس ما تزال مفتوحة وأن الرحلة الجوية أكثر أمانا.

في مطار تونس، تضاحكت شرطيات يقطرن جمالا، يسألن عن عرسان من روسيا، إحداهن تحفظ مقطعا من أغنية " كاتيوشا" الروسية الشهيرة، وأخبرت أن شقيقها يدرس في مدينة روسية، تعرف أنها نائية، لكن لا تحفظ اسمها، وأنه يبعث لها بصور عن شبان روس حلوين "بالزاف" وتحلم بالعيش وسط ثلوج سيبيريا!
المصور دميتري، عرض على الفور خدماته، محاولا إخفاء صلعة لا تتناسب ومواصفات العريس المطلوب، وحصل على وعد بلقاء "إذا خرجنا أحياء من ليبيا".

كررت شرطيات الرئيس الهارب زين الدين بن علي متمنيات لنا السلامة في ليبيا الملتهبة بالتظاهرات متأثرة بعدوى الربيع التونسي.

وحين حلقت بنا الطائرة، بدت تونس خضراء.. خضراء وصدح في مخيلتي لحن فريد الأطرش وكلمات بيرم التونسي
تونس أيا خضرة يا حارقة الأكباد
غزلانك البيضة تصعب على الصياد
غزلان فى المرسى ولا فى حلق الواد.

هبطنا في مطار طرابلس، بعد رحلة استغرقت أكثر من ساعة بقليل، كان مزدحما بالمغادرين، غالبيتهم أفارقة، وأجانب من جنسيات مختلفة، لم نلحظ أوروبيين. فقد أكملت البعثات الأوروبية سحب رعاياها من ليبيا، فيما احتفظت روسيا الاتحادية بطاقم السفارة، والقنصلية في طرابلس، وتميز سفير موسكو، المستعرب فلاديمير تشاموف بين نظرائه في السلك الدبلوماسي الأجنبي، بالحيوية والنشاط.
كان يتابع عن كثب تطورات الوضع في بلد، تستعد قاذفات (بي 52 ) لإلقاء حمم الموت والدمار على منشآته الحيوية وبناه التحتية.

لقد عاش، السفير الذي يتقن إلى جانب العربية، الإنجليزية والفرنسية، محنة الشعب العراقي، بعد الاحتلال، فقد عين سفيرا في بغداد بعد الغزو، وشاهد بأم عينيه، حجم الخراب الذي حاق بأرض السواد، على يد المحتل.

كان يشعر بمسؤلية أخلاقية وإنسانية، عدا السياسية، للعمل على درء خطر العدوان القادم في ليبيا.

وحين امتنعت موسكو، عن التصويت على قرار مجلس الأمن الدولي، بحظر الطيران على الجماهيرية، وإمكانية القيام بعمليات عسكرية، اعتبر السفير موقف بلاده، ناقصا، وتمنى لو أنها أسقطت القرار باستخدام حق النقض ( فيتو) وجنبت الليبيين مصيرا واجهه العراقيون، ويدفعون الثمن إلى اليوم، كما الشعب الليبي.
لم يخف فلاديمير تشاموف، امتعاضه من موقف الرئيس الروسي آنذاك أناتولي مدفيديف الذي كان يسعى إلى شراكة مفتوحة وقوية مع الولايات المتحدة والغرب، امتدادا لنهج أول رئيس لروسيا بعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي، بوريس يلتسين فيما كان فلاديمير بوتين، الذي شغل حقبة مدفيديف، منصب رئيس الحكومة، بصلاحيات دستورية، تقل كثيرا عن صلاحيات رئيس الدولة، يشك في مقولة أن الغرب وزعيمته الولايات المتحدة، على استعداد فعلي لشراكة حقيقية ومتكافئة مع روسيا الأوراسيوية.

بين النظرتين، ضاع العراق وضاعت ليبيا، وفقد السفير الموهوب منصبه.
كان فلاديمير تشاموف، التقى مع سفيري الصين والهند في طرابلس بالعقيد القذافي، قبل ساعات من صدور قرار مجلس الأمن الدولي في الخامس عشر من مارس 2011، ولم يتمكن من إبلاغ الخارجية الروسية بأنه ذاهب للاجتماع مع الزعيم الليبي بناء على طلب عاجل.

في تلك الساعات كانت وكالات الأنباء، تتناقل تصريحات للرئيس أناتولي مدفيديف، تصف القذافي بالطاغية، وتحذر من قمع الاحتجاجات الشعبية المندلعة في بنغازي ومدن ليبية أخرى.

ومع ان السفير، اطلع على التصريحات، الا أنه لم يجد من اللياقة الدبلوماسية، الامتناع عن تلبية طلب الرئاسة الليبية، لقاء العقيد القذافي، الذي قال لسفراء موسكو والهند والصين، لتدخل بلدانكم ليبيا من أوسع الأبواب فأنتم الحلفاء والشركاء، بعد أن شعر بخديعة الغرب الذي توهم أن بلاده دخلت معه في شراكة نزيهة، وكشف أمام واشنطن ملف ليبيا النووي، ودفع تعويضات مجزية لضحايا طائرة لوكربي، وسلم المتهمين بتفجيرها، واستقبل سمراء الدبلوماسية الأمريكية، كوندليزا رايس في خيمته بطرابلس، وتغزل بها شعرا، وخاطب الرئيس باراك حسين أوباما، بابننا مبروك!

عاد السفير تشاموف من خيمة القذافي، وبعث على الفور برقية مشفرة، لخص فيها مضمون اللقاء مع الزعيم الليبي، وأكد على ضرورة الوقوف معه، حفاظا على المصالح الليبية المتحققة بعقود تصل الى تسعة مليارات يورو، والواعدة بأضعاف منها.

لكن موسكو، ذلك الحين، لم تكن تلتفت لعلاقاتها الثنائية مع حليف يفتح الأبواب واسعة أمام التعاون متعدد الوجوه بل تصيخ السمع للشركاء الغربيين.
يتبع ...
سلام مسافر

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب 

Post a Comment

Previous Post Next Post