لعنة الجبل: القرية: الفصل الأول

هناك في الصحراء الشاسعة علي البر الغربي من الوادي حيث تجد جبل المغاوير بصخوره الحادة وعلوه الشاهق حيث يقبع في بداية الطريق إلي كل تلك الصحراء المترامية الأطراف التي لا تري فيها سوي رمال تتحرك لترسم لك الخوف من محاولة عبورها ولا تسمع سوي صوت الرياح مثل أصوات أشباح تهمُس إليك بصرخاتها.


يقبع هذا الجبل بكل ما فيه من ألغاز وحكايات قريباْ نسبياْ من الوادي حيث يمكنك أن تشاهد بعض الأشجار الصحراوية و النخيل المتناثرة في الطريق الصاعد إلي هذا الجبل العتيق.

في حضن هذا الجبل تقع قرية صغيرة تتكون من بعض المنازل المتناثرة حيث تضم القليل من أهلها في حالة انعزال في قلب تلك الصحراء فقط في قلب الجبل لكي يحميهم من غضب تلك الصحراء عليهم.

أهل تلك القرية يعيشون داخل تلك المنازل التي تشعر أنها قديمة مثل تلك العلامات التي حفرتها الرياح في هذا الجبل الذي يشُرف علي تلك القرية الصغيرة.

أهل القرية لا يوجد بينهم شخص غريب بل هم في الواقع عائلة واحدة كبيرة فالنساء لا يعرفون الألوان بل يرتدون الملابس السوداء التي تغطي أجسادهم كأنهم يعيشون حالة من الحزن الدائم حتي الفرح مثل الحزن داخل تلك المنازل.


في بداية العشرينيات من القرن الماضي في تلك القرية التي تقع في حضن الجبل حيث تشاهد الجبل من كل مكان في القرية كأنه الحارس وكاتم أسرار تلك القرية التي تقع في صعيد مصر علي مشارف الصحراء والتي لا يتعدى سكانها عن مائتين شخص أغلبهم من النساء والأطفال والعجائز فالرجال قد رحلوا أو ماتوا وهم في ريعان الشباب فلم يبقي سوي القليل منهم في القرية.

تلك القرية التي تعتمد علي رعي الغنم في الصحراء من خلال النساء والأطفال فليس هنالك زراعة أو أي شيء آخر فالقرية في حالة من السكون الدائم مثل الموتى لا تسمع فيها صوت سوي صوت الريح والصدى القادم من الجبل كأنه يخاطبهم ويذكرهم بما حدث في الماضي من حكايات.

القرية بعيدة عن الوادي وخاصتاْ مدينة الأقصر حيث المدنية والأضواء والسائحين والأجانب الذين أتوا إلي تلك المناطق لكي ينقبوا عن الأثار من كل أنحاء العالم يحاولون كل يوم اكتشاف شيء جديد داخل تلك الرمال أو الوادي حيث دُفن الملوك والملكات والتي يعتقد أهالي الصعيد أن ليس لهم الحق في ذلك فكل تلك الكنوز والأثار ملكاْ لهم فقط وليس ملك الحكومة المصرية أو من يأتي لكي ينبش تلك القبور ليأخذها معه أثناء رحيلة من تلك الرمال.


لا يوجد لتلك القرية سوي طريق واحد يمر بجوار هذا الجبل لكي يصلك إلي الوادي فهنالك قافلة واحدة يخرج فيها شيوخ القرية كل شهر من أجل جلب ما تحتاجه القرية من مدينة الأقصر وبيع ما تم صنعه من خلال تلك النسوة القابعات في تلك القرية في قلب هذا الجبل فالطريق إلي القرية صعب يحتاج إلي من هم يتحملون السفر لمدة يوم أو أكثر من خلال تلك القوافل حتي يصلوا إلي القرية أو الذهاب إلي الأقصر.

تلك القرية لا يوجد أي قري قريبة منها فقط من يسلك هذا الطريق يعلم جيداْ أنها القرية الوحيدة التي تقع في نهاية ذلك الطريق حيث تقع الصحراء بأكملها خلف تلك القرية فلا تسمع فيها سوي صوت الرياح والذئاب التي تعوي منتظرة قدوم الليل لكي تهبط من الجبل في طريقها إلي القرية لكي تبحث عن شاة أو أي شيء أخر لكي تلتهمه وتعود إلي الجبل مرة أخري قبل أن يراها أحد من أهل القرية.

تلك القرية المتناثرة منازلها حيث الريح تمر من بينها كأنها مثل الأشباح التي تلهوا وتعبث بقلوب من يسكنها فالكل يقبع داخل المنازل في الليل خوفاْ من تلك الرياح الغاضبة.

في بداية الطريق المؤدي إلي القرية تجد العديد من الرجال العجائز يسميهم أهل القرية بالشيوخ يجلسون بجوار المسجد الصغير بجوار بعضهم البعض يتهامسون عن أحوال قريتهم وكيفية تصريف شئونها فتجدهم كل منهم يتعكز علي عصا خشبية يرسم بها أشكال من الرمال.

كلاْ منهم يرتدي جلباب أسود وشال من الصوف الأسود والعمامة البيضاء والعيون الثاقبة التي تشعر بأنها عيوناْ عاشت لأجيال قديمة في عمق هذا الجبل .

وتلك المرأة العجوز التي تسير في طرقات القرية تهمس بكلمات كأنها تتحدث مع شخصاْ ما يسير بجوارها ثم تصرخ وتنادي علي رجال قد ماتوا أو رحلوا ولا يعلم أحد كيف ماتوا أو اختفوا في ذلك الجبل.

فالكلاب تنبح عندما تشعر أنها قادمة فالكل يخشاها وعندما يشاهدونها يفرون هرباْ وفزعاْ منها حتي النساء يهرعون إلي داخل بيوتهم حتي لا تشاهدهن فتصيبهن إحدى لعنات تلك المرأة العجوزة التي تأتي في الصباح من طريق الجبل ثم تعود مرة أخري إلي الجبل في 
المساء
تمت
بقلم الكاتب الدكتور
محمد عبدالتواب

Flag Counter  

Labeled Posts Blogger Widget in Tab Style

1 Comments

Post a Comment

Previous Post Next Post