أسطورة جاك العظيم: الحلقة الأولي

أسطورة جاك العظيم: الحلقة الأولي
أسطورة جاك العظيم: الحلقة الأولي
في طفولتنا نحتفظ ببعض الذكريات التي قد تكون مثل النقوش الفرعونية الصامدة التي تعيش بداخلنا حتى الموت ونتذكرها دائماً بسبب الحنين المطلق لها فلدي الكثير من الذكريات ربما تعود إلي فترة بدايات طفولتي والتي اتذكرها جيداً كأنها حدثت بالأمس وكلما تذكرتها تذكرت الإبتسامة والضحكة التي افتقدها كثيراً في تلك الأيام مثل حكايتي مع أول وآخر كلب في حياتي


 كنت في بداية المرحلة الإبتدائية وكان للبيت فناء خلفي به عدة حجرات وكل حٌجرة تمثل شيء أساسي في حياة والدتي مثل حجرة الغسيل وحجرة الفرن الطيني وكان في منتصف الفناء شجرة توت رائعة ضخمة كبيرة مٌحملة بالكثير من التوت بلونه الأحمر الداكن, كانت تلك الشجرة هي منزلي وسكني الدائم حيث كنت اقضي معظم وقتي اتسلقها لكي التقط التوت وأكلةُ بدون غسيل بما عليه من أتربة حتى كنت أحياناً أشعر أنني اكل الغُبار والتراب أكثر من التوت نفسه, كم مزقت ثيابي التي كنت ارتديها من أغصان تلك الشجرة العظيمة وأيضاً من كثرة السقوط الحر المتكرر من تلك الشجرة حتى أن أمي

حكايات العم "محمود السعدني - الصول شاهين وحكايات أخري"


 كانت تلقبني بقرد الشجرة وتندب حظها أنها قد انجبت طفل أهبل أو ربما أنها في الحمل قد توحمت علي قرد أو شجرة موز مثلاً.
في تلك الفترة كانت هنالك فتاة تساعد أمي في المنزل تدعي ( حلاوتهم ) بالرغم أن اسمها يدل على علاقتها الوثيقة بالجمال الباهر والفاتن إلا إن جمالها جمال أفريقي أصيل لم يعرف اللون الأبيض طريقه إلي بشرتها في يوم من الأيام , كذلك شعرها أحياناً كنا نستخدمه كأداة لتنظيف الآواني والحقيقة أنه كان من النوع الممتاز , في الحقيقة كانت تحبني وتدللني كثيراً وتلبي أوامري بدون أن تعرف أمي أي شيء عن ذلك لأنني كنت اتسكع طوال الوقت مثل حياة البوهيمين أو ربما يمكنك القول متشرد من الدرجة الأولى. ليست حلاوتهم فقط هي التي كانت تلازمني بل كل أخواتها البنات كانوا يأتون إلي بيتنا لمساعدة أمي لأنهم كانوا يشعروا أن أمي مثل الأخت الكبرى بالنسبة لهم فكنت في صغري ارى الكثير من النساء داخل بيتنا من بينهن حلاوتهم وخالاتي اللاتي كانوا تقريباً في نفس المرحلة العمرية والكل يقدر دور أمي ويجلها لأنها كانت صاحبة ذكاء ودهاء وشخصية قوية لا غبار عليها , في يوم من الأيام أتت حلاوتهم إلي المنزل ومعها ضيف جديد غريب عن المنزل عبارة عن كلب صغير أبيض اللون هدية لي لكي الهو به وامنحه حنان الأب الذي فقده منذ الصغر, لكن والدتي رفضت ذلك رفضاً باتاً ولكن اخبرتها حلاوتهم أن هذا الكلب من عائلة ملكية عريقة صاحبة جاه ومال وأن هذا الكلب كان ولي العهد وأن أختها قد سرقته لكي تحميه من أعدائه ولكن والدتي أصرت على رفضها وأنا صممت أن احتفظ بولي العهد هذا ربما لإحساسي بأنني أيضاً من عائلة ملكية عريقة وأنني اخُتطفت منذ الصغر مثل هذا الكلب وربما اعود يوما ما إلى مملكتي مع هذا الكلب والتنكر لكل هؤلاء الحُثالة وأتذكر ما فعلوه معي في طفولتي من حرمان من اللهو والتسكع في الشوارع طوال الوقت

مغامرات في السفارة الإسرائيلية": الحلقة الأول


 
كان دائماً لدي هذا الشعور أنني لا أنتمي إلي تلك الأسرة وأنني صاحب شأن عظيم وكنت دائماً أخبر أصدقائي أنني في الأصل ليس مصري بل ألماني المولد والجنسية وأنني امتلك شعر ذهبي اللون وعيون زرقاء مثل لون البحر وامتد هذا الشعور معي لفترة طويلة ربما لأنني لم أكن أنظر في المرآة كثيراً أو ربما أن هذا التغيير سببه أنني عندما اعاود الرحيل إلي ألمانيا سوف استرد شعر الذهبي ولوني الأبيض وعيوني الزرقاء وأن تلك التغييرات التي حدثت ربما بسبب أنني كنت أكرهه الإستحمام والنظافة عموماً حيث كان بيني وبينه ثأر ولم أكن استحم سوي في الأعياد فقط بسبب الثياب الجديدة ومن أجل الحصول على العيدية , كنت مقتنعاً تماماً بتلك النظرية حتى عندما قررت في يوم ما أن استحم لمدة أسبوع كامل لكي استعيد رونقي وجمالي الأوروبي مرة أخري وهنا كانت الطامة الكبري فبرغم كل تلك المعاناة والعذاب الذي عانيت منه خلال هذا الأسبوع فأنا لم اجد تغير في شيء , نفس الملامح الصعيدية الرائعة المتضخمة في بعض الأجزاء الغير مُتناسقة تماماً كأن والدتي قد استعارتها من ملامح أخوتي وصنعت مني هذا الفتي لكنني في نهاية الأمر اقنعت نفسي بأن ملامحي الحقيقة هي أوروبية المنشأ


 بعد مباحثات متعثرة اعتقد أن مباحثات اليهود والفلسطينين كانت أسهل بكثير من تلك المباحثات مع أمي حيث في بداية الأمر خيرتني مابين أن أعيش أنا داخل المنزل والكلب خارج المنزل أو العكس الكلب داخل المنزل وأنا خارج المنزل فكان إختياري أن أكون أنا والكلب داخل المنزل والدتي خارج المنزل ولكن بعد مفاوضات عنيفة انتهت بثياب ممزقة وجنتي ملتهبتان من كثرة مُصافحة والدتي لهما وبكائي الشديد من آثر التعذيب إتفقنا أن هذا الكلب يبقى في الفناء ولا يدخل المنزل ولو حدث هذا مصيرنا نحن الأثنين الرجم بالشباشب حتى الثمالة 
 أنا أعلم جيداً أن أمي لن ترحمني وتنتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر لكي تطردنا نحن الإثنين أنا وجاك خارج البيت لأنها غير مقتنعة بالمرة بوجود كلب أو بوجودي أنا أيضاً في المنزل 
 كان صغير الحجم مازال رضيع لونه أبيض ببقع صفراء صغيرة متناثرة على أجزاء من جسده النحيل , كان يبكي طوال الوقت بشعوره بالغُربة و إحساسه أن مستقبله قد ضاع منذ البداية عندما علم أنه سوف يعيش مع صبي مُشرد من عامة الشعب صعلوك يتسلق الشجرة طوال اليوم يقتات على حبات التوت الممزوجة بالغبار وأشياء أخري وهو يأكلها وملامح البلاهة ترتسم علي ملامحه , طفل مثلي حافي 
القدمين ويبدو من ثيابه أنه متشرد طوال اليوم 
تمت
بقلم الكاتب الدكتور
محمد عبدالتواب




Post a Comment

Previous Post Next Post