الصراع القائم بين مصر وإسرائيل علي الأراضي الأثيوبية

ربما يتفاجأ البعض بهذا العنوان ويظن أنه من الخيال حدوث ذلك لكن الواقع والأحداث علي الأرض ربما تتجه نحو تلك التوقعات بالرغم من نفي السفارة الإسرائيلية حيث قالت السفارة الإسرائيلية في مصر على صفحتها الرسمية على "فيسبوك" إنه "في ضوء الشائعات الأخيرة بشأن مساندة إسرائيل في مشروع بناء سد النهضة الإثيوبي نود أن نوضح الحقيقة" , وأضافت: "دولة إسرائيل تتمتع بعلاقات سياسية واقتصادية مميزة مع كل من مصر وإثيوبيا، ولكن إسرائيل لا تسهم ببناء سد النهضة الإثيوبي بأي شكل من الأشكال" , وتابعت السفارة: "نحن دائمًا ندعم بالقيام بالمفاوضات المباشرة وبالحوار بين البلدين ونأمل أن يوجد حل يفيد مصر وإثيوبيا تحت الرعاية الأمريكية وصندوق النقد الدولي"

الديمقراطيين في البيت الأبيض وخارطة طريق للأزمة الليبية " الجزء الأول "


 لكن التاريخ ولا الواقع يثبت صحة تلك التصريحات الإسرائيلية لأن من واقع التاريخ أن إسرائيل لها أطماع في مياه نهر النيل حيث تعود الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل إلى ما قبل تأسيس الكيان الإسرائيلي، وتحديداً إلى العام 1903 عندما قدّم زعيم الحركة الصهيونية تيودور هرتزل، مشروعاً يسعى من خلاله إلى بناء مستوطنات في شبه جزيرة سيناء تنضم في وقتٍ لاحق إلى المستوطنات في فلسطين المحتلة، حيث سعت المنظمة الصهيونية التي يمثلها هرتزل إلى توطين اليهود في العريش , ولمواجهة مشكلة ندرة المياه في تلك المنطقة، اقترح هرتزل على لانسدون، وزير خارجية بريطانيا، مد أنبوب على عمق كبير تحت قناة السويس لضخ مياه النيل إلى شبه جزيرة سيناء. لكن بريطانيا رفضت هذا الطلب، بسبب تأثيره السلبي على مشروعات الزراعة المصرية بالوادي، خاصة محصول القطن الحيوي للصناعة الإنجليزية , أعادت "إسرائيل" طرح هذه الرغبة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، استناداً إلى مقالات ودراسات تناولت المشاريع التي يمكن من خلالها نقل مياه النيل إلى المستوطنات الإسرائيلية
  كان أبرز تلك الدراسات ما عرف بـ"مشروع اليشع كالي" حيث قام المهندس الإسرائيلي اليشع كالي، في عام 1974 بطرح مشروعٍ تضمن نقل جزءٍ من مياه النيل يقدّر بـ1% سنوياً لتزويد المستوطنات الإسرائيلية في النقب وقطاع غزة والضفة الغربية، بواسطة أنابيب تمر تحت قناة السويس بجانب منطقة الإسماعيلية المصرية، يصل طولها إلى 200 كلم . وفي عام 1977 قام الخبير الإسرائيلي ارلوزوروف، بطرح مشروعٍ تضمن شق 6 قنوات تحت قناة السويس تعمل على دفع المياه العذبة إلى نقطة سحبٍ رئيسية، ليتم بعد ذلك ضخ المياه إلى ارتفاعٍ يبلغ عشرات الأمتار لتدفع بقوة الثقل نحو ساحل سيناء وعبر أقنية فرعية إلى صحراء النقب , لم تكن مشاريع نقل مياه النيل إلى المستوطنات الإسرائيلية داخل فلسطين المحتلة حكراً على المهندسين والخبراء في كيان الاحتلال
 وهنا يأتي السؤال الأهم لماذا تفعل إسرائيل ذلك رغم حرصها علي علاقاتها الطيبة مع القاهرة ؟!! ... الإجابة ببساطة بسبب أمنها المائي حيث أن مسألة تأمين المياه للمستوطنات الإسرائيلية كانت حاجة أساسية بالنسبة لـ"إسرائيل". وقد أظهرت دراسات عديدة خلال العقود الأخيرة، أن "إسرائيل" تمر بأزمة يعتبرها الخبراء الإسرائيليون خطرة جداً بما يخص الثروة المائية، تهدد اقتصاد كيان الاحتلال بصورة لم يسبق لها مثيل , ذكر الإعلام الإسرائيلي في السنوات الأخيرة أن الكثير من بحيرات فلسطين المحتلة وأحواضها النهرية والمياه الجوفية وصلت إلى أدنى المستويات التي لم يسبق لها مثيل منذ 100 عام، حيث اقتربت بحيرة طبريا بشكل خطير من "الخط الأسود"، وهو المستوى الذي يقع تحت أنابيب السحب من مضخات المياه التي ترسل مياه البحيرة إلى البلدات المجاورة , وفي الدراسات الإسرائيلية يظهر أن تحسين مستوى العيش وبناء المستوطنات يحتّم تأمين زيادة في المياه بمقدار 600 مليون متر مكعب كل عام
 فإذا تعثَّر الحصول على ذلك فيكون من الضروري تأمين ثلثه على حساب المشاريع الزراعية، ما يؤدي إلى أزمة اقتصادية واجتماعية بغض النظر عن الأضرار التي تحصل بفعل برنامج "التوزيع السكاني" , ويذكر في هذا السياق، أن نقل مياه النيل إلى فلسطين المحتلة، كان من أهم المشاريع المطروحة في المباحثات المتعددة الأطراف، التي عقدت في فيينا عام 1992، حيث تمسك المفاوضون الإسرائيليون بعدم التنازل عن ذلك، تحت ذريعة حاجة "إسرائيل" إلى المياه في المستقبل ومن ضمنها مياه النيل
 أحد المفاوضين الإسرائيليين وهو دان سالازفسكي، قالها صراحة "إذا كان أحد يقصد السلام، فينبغي ألا يجادل بشأن المياه"
 والتاريخ يثبت فكرة أن بناء سد النهضة هي فكرة أمريكية لدعم إسرائيل وذلك من خلال قيام مكتب الاستصلاح الزراعي الأميركي بعدة دراسات بين عامي 1956-1964، قبل أن يحدد 26 موقعاً لإنشاء السدود في أثيوبيا أهمها، 4 سدود على النيل الأزرق الرئيسي، وهي: "كارادوبي، مابيل، مانديا، وسد الحدود (النهضة)" بالإضافة إلى الأراضي الزراعية التي سيتم استصلاحها بعد إنشاء السدود

العلاقات التركية الإسرائيلية بين الشك واليقين " .. الجزء الأول

 
وجاءت الدراسات الأميركية إثر الاتفاقية الرسمية التي وقعتها واشنطن مع سلطات أديس أبابا عام 1957، رافق ذلك رفض أثيوبي لعرض عبد الناصر بتشكيل هيئة فنية مشتركة لدول نهر النيل. إذاً صراع سد النهضة ليس صراع مصري أثيوبي فقط بل صراع مصري إسرائيلي في المقام الأول والتطبيع مع السودان سوف يكون ورقة ضغط علي مصر في المفاوضات المعلنة والغير معلنة والسبب يعود إلي محاولات الضغط التي قامت بها تل أبيب في البداية حيث فشلت "إسرائيل" خلال العقود الماضية، في فرض مشاريعها للاستفادة من مياه نهر النيل، إزاء الرفض المصري المتكرر لذلك، و تسير "إسرائيل" ضمن مبدأ الضغوط القصوى على مصر من أجل دفعها سياسياً واقتصادياً، للعودة إلى مشاريع نقل "مياه النيل" باتجاه المستوطنات والمدن المحتلة في فلسطين، من خلال تدخلها المباشر في مسألة "سد النهضة" والتأثير على تداعياتها السلبية ضد مصر وأمنها المائي والسياسي. وتسعى تل أبيب من خلال ذلك، إلى الدفع باتجاه الاعتراف بها كـ"دولة" شرق أوسطية بالدرجة الأولى، وكطرفٍ معني بمياه نهر النيل، من البوابة الأثيوبية، ما ترى فيه "حقاً" بعد ذلك للاستفادة من مياه النهر 
 في السادس من يونيو/حزيران عام 2016 هبطت طائرة رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هايلي مريام ديسالين في مطار بن غوريون الإسرائيلي، هناك استقبل بحفاوة كبيرة كانت كفيلة بأن تعكس قدر الترحاب الإسرائيلي بهذه الزيارة وما وراءها من شغف بتطوير العلاقات بين إسرائيل التي يعيش فيها نحو 130 ألف يهودي من أصول إثيوبية، وإثيوبيا التي بدت متعطشة في ذلك الحين إلى الاستعانة بتل أبيب لتنفيذ مشاريع تنموية على أرضها من جهة، وتلقي الدعم والإسناد السياسي من جهة أخرى , رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي استقبل نظيره الإثيوبي حينها "بحفاوة واحترام كبيرين"، لم يغفل اصطحاب وزير الزراعة أروي أريئيل معه إلى هذا اللقاء، إذ التقى أريئيل يومها وزير الزراعة والموارد الطبيعية الإثيوبي، ووقعا على اتفاقيات عدة تتعلق بالزراعة والتنمية بين البلدين خلال الزيارة ذاتها، اصطحب رئيس الوزراء الإثيوبي إلى جانب وزير الزراعة والموارد الطبيعية، كلاً من وزراء الخارجية، والدفاع، ووزير المياه والطاقة والكهرباء، ونائب وزير العلوم والتكنولوجيا، وهي تشكيلة تعكس رغبة إثيوبيا في تطوير العلاقات مع إسرائيل على أصعدة مختلفة، يبدو أهمها التكنولوجيا والمياه والزراعة حيث تواصلت الزيارات المتبادلة بين إسرائيل وإثيوبيا خلال السنوات اللاحقة، إذ زار رئيس الوزراء الإثيوبي المنتخب آبي أحمد تل أبيب مطلع 2019 وأكد تعزيز التعاون بين البلدين
  في يوليو/تموز عام 2019 كشف موقع "تيك ديبكا" الاستخباري الإسرائيلي النقاب عن سعي تل أبيب إلى تحصين سد النهضة الإثيوبي وذكر الموقع أن طواقم من ثلاثة مصانع متخصصة في الصناعات العسكرية والدفاعية والجوية في إسرائيل أنهت مؤخراً (2019) العمل على نصب منظومات دفاعية جوية متطورة من طراز "Spyder-MR" حول سند النهضة الإثيوبي وأشار إلى أن شركة الصناعات الدفاعية الإسرائيلية "رفائيل" وفّرت لإثيوبيا منظومة "بيتون" الدفاعية وكذلك منظومة "ديربي" وهي من صناعة محلية إسرائيلية، في حين وفّرت الصناعات الجوية الإسرائيلية " MBT Missiles Division of Israel Aerospace Industries" شاحنات خاصة تحمل المنظومات الدفاعية

هوليوود" والتغيير في صالح فلسطين
 
 يقول الكاتب في موقع "ميدا" الإسرائيلي للأبحاث ياغفاني كلاوبر: إن "أزمة سد النهضة أتاحت لإسرائيل فرصة كبيرة للتدخل كوسيط بين مصر وإثيوبيا وغيرها من دول المصب"، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الأزمة "تُرجح كفة إسرائيل على حساب الفلسطينيين في قضايا مختلفة أيضاً" , في سياق متصل تشير دراسة أعدها أوفير فينتر لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تحت عنوان "أزمة المياه في أرض النيل.. من أزمة إلى فرصة"، إلى أن "أزمة سد النهضة" من شأنها أن تزيد عمق العلاقات بين تل أبيب والقاهرة
 لكن من أعتقد أن الأمور سوف تختلف لعدة أسباب رئيسية وهي تغير الإدارة الأمريكية والتي كانت تمنح تل أبيب دعم غير محدود وأن القاهرة لن تقبل بورقة ضغط بيد إسرائيل وهي سد النهضة وأن التطوير النوعي في الجيش المصري الغرض منها التعامل مع الأحداث بقوة في بؤر بعيدة عن حدود الوطن كذلك التحركات تجاه السودان تقوي من وضع القاهرة في المفاوضات وأن الخرطوم عليها التعاون الكامل مع القاهرة خوفاً من توغل اديس أبابا في الحدود الشرقية لها وأظن أن العلاقات العسكرية بين القاهرة والخرطوم سوف تشهد تطورات تجعل من القاهرة قادرة لتصدي لمطامع تل أبيب واديس أبابا في مياه نهر النيل 


 
Labeled Posts Blogger Widget in Tab Style

Post a Comment

Previous Post Next Post