لعنة الجبل: الأب: الفصل العاشر

أصبح الذهاب والإياب إلي الأقصر ليس معتمداً على مواعيد القافلة التي تخرج من القرية, همام أصبح يغرد خارج السرب حيث شعر أن فكرة وعقله هناك في الأقصر مع رفاقه في ذلك المقهى حيث يضم الكثير من المفكرين والأصدقاء خاصةً مستر جيمس فكان همام دائماً يجلس وحيداً متأملاً حيث يخرج إلي الصحراء يجلس حيث يستمع إلي صوت الصحراء ويتأمل النجوم المتلألئة والمنتشرة في تلك السماء الصافية فربما يجد بعض الإجابات التي لا يجدها داخل كل تلك الكتب الموجودة بغرفته في هذا المنزل البسيط.


 
لعنة الجبل: مستر جيمس واللغز: الفصل الحادي عشر

بلا شك أن دخول مستر جيمس في حياة همام قد غير الكثير من مفاهيمه وإدراكه للأماكن الكثيرة خارج دائرته البسيطة , مستر جيمس كان البوابة الرئيسية لهمام لكي يشعر أن هنالك أشياء أخري كثيرة تدور في فلك الإنسان في العموم أكثر مما يدركه همام حتي بقراءته كل تلك الكتب.

أثناء سفر همام من الأقصر عائداً إلي قريته قرر المبيت بجوار تلك المجموعة من النخيل المترامية في منتصف الطريق ما بين الأقصر والقرية حيث أنها قريبة من منبع ماء عذب يستطيع النوم بجواره والراحة أيضاً حيث قرر همام قضاء ليلته تلك بجوار البئر يتأمل السماء وخاصةً أن تلك الليلة السماء صافية ولكي يتذكر كلمات مستر جيمس عن طموحه في كشف جديد عن حضارة الأجداد في وادي الملوك.

شعر همام أثناء جلوسه بأن هنالك شخص ما يقف في الظلام ولا يقترب منه , فقط يقف في حالة ثبات فظن همام أنه ربما عابر سبيل يبحث عن ماء أو مساعدة فلم يجد مفر أن يصيح على ذلك العابر قائلاً :

أهلاً بك يا رجل تفضل واجلس نتشارك العشاء إذا كنت غريب عن المنطقة

لم يتحرك هذا الرجل من مكانه في الظلام ولم يرحب أو ينطق بأي كلمة على دعوة همام الجلوس والمشاركة في الطعام.

فتعجب همام لذلك فكرر الدعوة أكثر من مرة ولكن لم يجد أي استجابة من ذلك الشخص فقرر همام القيام والاقتراب من ذلك الرجل ليقترب منه ليعرف لماذا لا يقترب منه ولكن همام كلما اقترب الرجل يبتعد وتبقى نفس المسافة دون أن يتحرك من الظلام.

بدأ الشك يزداد في قلب همام ومن هذا الرجل فأسرع بخطواته تجاه الرجل حيث اقترب من وجه ذلك الرجل حيث أنه كان يبتسم لهمام فشعر همام أن تلك الملامح ليست غريبة عنه بل يتذكرها.

توقف لحظة وهو ينظر إلي ذلك الرجل بابتسامته حيث نطق همام بكلمة تلقائية قائلاً :

أبي ........هل أنت أبي ؟

لم يشعر همام بنفسه حيث انطلق نحو ذلك الرجل ولكن فجأة اختفى ذلك الشبح بابتسامته ولم يجد همام شيء حوله فقط ظلام الليل يكسو علي حيرته وفزعة مما شاهده في تلك الليلة حيث عاد إلى مخدعه.

عندما عاد همام إلي القرية لم يرغب في الحديث عما شاهده في تلك الصحراء فربما في تلك اللحظة كان ذهن همام مشوشاً وأن كل ما شاهدة عبارة عن خيالات وأوهام نتيجة فترات التأمل الطويلة التي يقضيها في تلك الصحراء.


شعر همام أنه لا يرغب أن يتحدث مع أحد أو يعود إلي الأقصر مرة أخري بل أراد أن يتعمق أكثر في قراءة الكثير من الكتب عن حضارة الأجداد ومن هي الملكة التي يمكن أن يكون لها تاريخ في تلك المنطقة ؟ !! .. لم يكن معه في تلك الخلوة أحد سوى صديقه خالد الذي بدأ يشعر أن صديقه همام بدأ يتحدث بطريقة مختلفة وعسيرة في أن يفهم ماذا يريد همام من وراء تلك الأفكار.

مرت الأيام والأسابيع حتى أنه بدأ ينسى رؤية أبيه في تلك الصحراء ولكنه في ليلة ما كان عائد من طريق الجبل حيث يطلق همام العنان لأفكاره عندما تكون السماء صافية حيث أنه نسي الوقت فلما تذكر خوف أمة دائماً علية خصوصاً عندما يقضي تلك الليالي بجوار الجبل فأثر العودة إلى المنزل ولكن عندما عاد إلي المنزل وجد أمه وجده في سبات عميق ولكن عند مروره في صحن المنزل شاهد شيء ما يجلس على ذلك المقعد الحجري , توجس خيفة همام ولكنه أراد أن يقترب من هذا الشيء

الغامض وعندما اقترب همام أكثر اكتشف أنه أبيه بتلك الابتسامة التي كان يجدها عند عودته من الكُتاب عندما كان صغيراً.

أراد همام أن يقترب أكثر لأنه يشعر بالحنين إليه وإلي ابتسامته ولكن عندما اقترب همام اختفي ذلك الشبح وترك همام وحيداً في ظُلمة صحن المنزل.

أدرك همام أن ما شاهده ليس وهم ولا خيالات بل حقيقة ولكن السؤال هنا لماذا بدأ يظهر ذلك الشبح لهمام لي يذكره بأبيه وماذا يريد من همام وما الحكمة من كل ذلك ولكن العجيب أن أبيه في تلك المرة لم يكتفي بالابتسامة فقط بل أشار إلي حجرة جده الشيخ يوسف وهو حزين كإشارة لشيء ما قبل اختفائه بلحظات بسيطة.

شعر همام في تلك الليلة أن هذا ليس قبيل الصدفة تلك الرؤيا لوالده بل أن هنالك رسالة ما يريد أن يصلها الأب له ولكن ماهي تلك الرسالة وما المقصود بها ؟

شعر همام في الأيام التالية لتلك الليلة أنه يريد أن يتحدث مع أحد لكي يخبره بذلك فلم يجد سوي جده ليخبره بتلك الرؤيا لعله يجد تفسير لها.

أثناء عودة همام بعد صلاة العشاء من المسجد وجد جده يجلس في صحن البيت يسبح في حالة من السكون الروحاني حيث جلس همام بهدوء بجوار جده دون أن يتحدث بشيء فنظر إليه جده إليه بابتسامة رقيقة قائلاً :

ما الذي يحيرك يا همام ؟ اخبرني بما يشغل بالك

تعجب همام عندما ألقي جده هذا السؤال عليه فكيف شعر بما يفكر فيه فأجابه همام قائلاً :

وكيف عرفت يا جدي أني في حيرة من أمري ؟

أجابه الجد بابتسامة قائلاً :

تلك حكمة وخبرة السنين يا ولدي وليس لي غيرك لكي أشعر بما يشعر به فقد أخبرني بما يدور في ذهنك

أجاب همام بتلقائية قائلاً :

لقد رأيت أبي يا جدي

أجابه الجد بتعجب ودهشة قائلاً :

أين رأيته يا ولدي أحكي لي كل شيء بالتفصيل

بدأ همام يخبر جده بما شاهده في الصحراء حتى وصل في نهاية الأمر عندما شاهده في صحن المنزل وهو يشير إلى غرفة الجد وهو حزين.

في تلك اللحظة شعر همام أن الجد كان منتبهاً لحديث همام وعندما سمع أن والد همام قد أشار إلي غرفته , شعر بالفزع والحزن ولم ينطق بشيء سوى أنه قال لهمام :

لله من قبل ومن بعد يا همام فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا يا ولدي

شعر همام في تلك اللحظة أن جده لم يفسر له شيء بل زاد الأمر تعقيداً فلما كل هذا الفزع والحزن الذي رسم بظلاله على ملامح جده وما علاقة ما يحدث بالجد فالأمر أصبح أكثر تعقيداً.

أصبحت الأيام تمر ثقيلة وكئيبة وهمام ليس له رغبة في القراءة أو حتي الجلوس مع خالد بل وجد جده أصبح أكثر عُزلة وبدأت الشيخوخة تزحف نحوه سريعاً كأن أيامه في تلك الحياة أصبحت معدودة بعد تلك الرؤيا.

في تلك الليالي الصيفية كان يشعر همام دائماً بحنين نحو الجبل يقضي الكثير من الليالي يتأمله ويشعر أن هنالك شيء ما يربطه بهذا الجبل وأنه لا يخشي الصعود إليه بل يشعر بأنه سعيد وهو في كنفه ولكن في أحد الليالي وهو في حضن الجبل شاهد أباه للمرة الثالثة ولكن همام لم يتحرك من مجلسه بل ظل ينظر إليه وهو في حالة لامبالاة حيث صرخ في وجه أبيه قائلاً :

ماذا تريد مني ؟ أنت لست أبي وأنت تريد جنوني ولا أعلم لماذا أبتعد واغرب عن وجهي

لكن ذلك الشبح لم يختفي بل كان يشير إلي الجبل بيده وهو ينظر إلي همام كأنه يكمل تلك الرسالة التي بدأها منذ شهور ولكن همام لا يدرك معناها حتى الآن فقط اختفى الشبح ولم يتحرك همام من مجلسه.

بقلم الكاتب الدكتور

محمد عبدالتواب





 
لعنة الجبل: الصعود الي الجبل: الفصل الثاني عشر
Labeled Posts Blogger Widget in Tab Style

Post a Comment

Previous Post Next Post