حكايات الصورة المزيفة

حكايات الصورة المزيفة
حكايات الصورة المزيفة

أنا سيدة عمرى ستة وثلاثون عاما، تربيت فى أسرة محافظة ومتحضرة فكريا، ويسودها الهدوء والتفاهم، وقد أحببت ابن خالى منذ صغرى، ولم يشغل تفكيرى سواه، وكان هو أيضا يلمح لى بحبه، وتفوقنا فى الدراسة، والتحقت بكلية الهندسة، وتقدم لخطبتي، وسألنى أهلي عن رأيى فيه، فوافقت على الفور، وأسعدني أننا متشابهان فى الكثير من طموحاتنا واهتماماتنا حتى فى عشقنا الأغانى القديمة لكبار المطربين، وتمت خطبتنا فى حفل عائلى، ولكن حدثت مشكلات كثيرة بين والدتى ووالدته، وبرغم أنها لم تمس علاقتنا معا، إلا أنه كان فى كل مرة على استعداد لفسخ الخطبة، وأنا التي كنت أتشبث به، وأرى أنه يتأثر بكلام والدته، لكننى لم أواجهه بأى كلام أو استفسار قد يؤثر على حبنا، وتزوجنا، وبدأ فى إبعادي عن أهلي شيئا فشيئا، فصارت زيارتنا إليهم قليلة، وينتقد أفعالهم دون أن يكون فيها ما يعكر صفوه، أو يمسه من قريب أو بعيد، وعشت كزوجة كما يقول «الكتاب»، ومثلما أراد هو، وليس لى سوى السمع والطاعة، أما إذا اعترضت بكلمة، فإنه يلجأ إلى الخصام، وأحيانا الإهانة، وهو يعمل مرشدا سياحيا، وعندما يسافر فى مهمة عمل يتركنى وحدى، أو فى منزل أسرته، ولا يسمح لى بالبقاء مع والدتى، أو زيارتها فى غيابه!.


  

ومرت الأيام وأنجبنا ولدا، وطلب زوجى أن أترك عملى، وأتفرغ لرعاية ابننا، واستمر فى افتعال المشكلات، وحاولت تهدئته كثيرا، وكنت استجيب لمواقفه ضدهم تجنبهم، وعدم الاندماج معهم، وكم كنت فى حاجة إلى أختىّ طلبا للنصيحة، وتخفيفا لوحدتى القاتلة، ولكنى ظللت على ما أنا فيه، خوفا من «زعله»، أما هو فلم يبال بى، واستمر على حاله من السهر الدائم مع أصدقائه لوقت متأخر من الليل، فهم يأتون فى المقام الأول لاهتماماته، ولا اعتبار لى كزوجة، وأم.  

ولم يمر وقت طويل حتى أنجبت طفلة ثانية، وذات يوم أبلغني أنه سيسافر إلى الخارج للعمل فى إحدى الدول العربية، وكان سفره على فترات متقطعة، واعتاد شراء أشياء كثيرة، وإنفاق مبالغ كبيرة، ولكن لا وجود معنوى إطلاقا له، ولم يفكر فى ابنيه، أو يحملهما ويداعبهما مثل الآباء.. ولايعرف سوى الأوامر والتحكم فى كل صغيرة وكبيرة، ويتحتم علىّ تنفيذها بدقة حتى لا أضع نفسى فى مشكلة معه!، فهو ينتهز اعتراضى على أى موقف مهما يكن تافها، فيضربني، برغم أنني أعترض بأدب، ولا أعرف التطاول، و اعتدت فى مثل هذه الظروف أن أذهب إلى أهلى، ولم يفكر ولو مرة واحدة فى أن يأتى للصلح، وكل ما يحدث هو أن أمه أو أخته تأتى بعد شهور لتأخذني إلى البيت، وكان يظهر ندمه بعد عودتي، أتغاضى سريعا عن تنكيله بى.

ما هي قواعد التعامل مع البشر من وجهة نظرك؟

  

وبعد ثلاث سنوات، طلب أن ننجب طفلنا الثالث، فوافقت رغم أنفى، فلم أكن أريد مزيدا من الأبناء، حيث إنه ترك مسئوليتهم لى، وكرس حياته لأصدقائه ومظهره وانتقاء ملابسه من أرقى الماركات فقط، ولمّا وضعت ابننا، ازداد بعدا عنا، ورأيت فى منامى ذات ليلة أنه على علاقة بامرأة أخرى، وفى الصباح فتحت هاتفه المحمول، ووجدت سلسلة من الرسائل التى تبين أنه كان على موعد مع زميلة له فى العمل، وفى ذلك اليوم، قال لى إنه ذاهب لـ «تصليح السيارة»، وأذكر أن أخته أبلغتني فى اليوم نفسه أنه يتعاطى المخدرات، وعندما واجهته ثار ضدى، وبدا عليه الغضب والتوتر الشديدين، وأزعجه أن أعلم هذه الحقيقة المرة التى ظلت مدفونة سنوات طويلة، فهو يحيط نفسه بـ «هاله عظيمة»، وأنه لا يخطئ أبدا، ويحاول أن يظهر أمام الجميع فى صورة «ملاك»، وأنه «رجل المبادئ»، بينما هو فى حقيقته غير ذلك تماما.. وهكذا وقع كلامى عليه كالصاعقة، وترك المنزل غاضبا، وعاش فى شقة كنا نستثمرها، وكان يأتى إلى البيت لكي يعطى ابننا «المصاريف» كل شهر، ويعود من حيث أتى، وحاولت كثيرا إصلاح ما أفسده من علاقتنا، فلم أفلح، وأخيرا عاد إلى المنزل بعد ستة أشهر، ووجدته شخصا آخر، فلم يعد يكترث بأحد حتى أهله، وقد غيّر شكله، وأصبح يرتدى ملابس لا تناسب سنه، أما هواية سماع روائع الأغاني القديمة، فقد تحولت إلى الأغانى الهابطة، وساءت علاقته بى لدرجة أنه لم يعد ينظر إلىّ، حتى وهو يطلب منى أى شىء!. 


 

فى ظل هذه الظروف الحالكة، قررت أن أستعيد نفسى، وأن أستكمل دراساتى العليا فى الهندسة، وذات يوم فوجئت به يدخل المنزل، وهو «سكران».. يعنى كل شىء صار على المكشوف، وقد رأته ابنتنا، وبدت عليها علامات الدهشة والتعجب، وواجهته فى اليوم التالى، فثار، وقال: «أنا حر، ومالكيش غير طلبات البيت فقط»، فصبرت عليه، ومارس هوايته فى اختلاق المشكلات، فلجأت إلى أهلي، واشتعل الموقف، وشعرت بأنى أسأت التصرف لاطلاعهم على مشكلات وخلافات مع زوجى، وعاد من جديد إلى شقته، ولا يأتينا إلا للمبيت فقط، واستمر العقاب هذه المرة ما يقرب من عام، ثمّ بدأت مرحلة جديدة فى حياتنا، إذ أبلغني أنه تزوج بالخارج، فطلبت الطلاق، لكنه لم يكترث لانفعالاتى، بل ضحك على رد فعلى، وحاول إقناعي بأن الموضوع بسيط، ولابد أن أتقبله، واتضح بعد فترة أن لم يتزوج بأخرى كما ادّعى، ولا أدرى لماذا قال ذلك؟، وما الذى يدور فى ذهنه؟.

كيف تتخطي علاقة فاشلة لمدة ثماني سنوات ؟

  

وعدنا من جديد إلى حياتنا الزوجية مع متغيّر قاس، هو أنه يرفض تماما أن يتحدث عن أهلى أو يتعامل معهم باحترام، وقد توقف عن العمل مع ظهور فيروس «كورونا»، وحاولت قدر جهدى إسعاده، لكنه لم يتخل عن تعاطى المخدرات، بل إنه أساء معاملة أبيه وأمه، وهو ناقم عليهما دائما، ومن وجهة نظره، فإن أصدقاءه أولى بالحب، وبرغم ما يقوله عن حبه لأبنائه، فإنه لا يستطيع أن يوفر لهم الوقت ولا حتى الفرصة للاندماج معهم، وهناك حاجز بينه وبين ابننا البالغ من العمر اثنى عشر عاما.. «حاجز خوف ورعب»، إذ يخضع للعلاج من «التأتأه» وثقته بنفسه مهزوزة، فأبوه ينتقده ولا يوجهه، كما أن ابنتى تخشى أن ننفصل، وتعيش هذا الوسواس، وكلهم يفتقدون الأمان مثلى!. 

لقد فكرت كثيرا وساورتنى الشكوك، وسألت نفسى: كيف يستطيع رجل متزوج أن يظل كل هذه الشهور بدون زوجته؟.. فلم أجد الإجابة إلا عندما حلمت مرة أخرى بأنه على علاقة قوية بامرأة جديدة!، وعندما فحصت هاتفه وجدته يعرف بنات كثيرات، وحبا قديما من الكلية، كما أنه مشترك فى «جروب» على الفيس بوك عليه «صور خارجة»، وواجهته فلم يستطع أن يقول أى شىء سوى «هو كده»، و«ده كان من فترة»، و«انتى حرة».. إن «الصورة الشامخة» التى كنت دائما أضعه فيها، انهارت شيئا فشيئا، فلقد كنت أتنفسه بمعنى الكلمة، وأصبحت أشمئز منه، فكريا ومعنويا.. لكنى لا أقدر على الطلاق، وأبنائى يحبوه، ولا يستطيعون تحمل الانفصال، كما أننى لا أستطيع تقبله بهذه «الصورة المزيفة» إذ اكتشفت بعد كل هذا العمر أنه إنسان هوائى، لا يستقر على وضع ثابت، حتى مع أصدقائه، فكيف لى أن أتعامل معه؟!


 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

زوجك شخصية مضطربة، فهو يحاول أن يسقط ضعفه عليك، وأن يظهر بصورة مغايرة لحقيقته أمام الآخرين، ومنهم أصدقاؤه لإيجاد مكان له بينهم، ومن ثمّ تكون رسالتهم إيجابية عنه، لكنه لا يلتفت إلى الانعكاسات السلبية على أبنائه، ولا يلقى بالا للقاعدة الأسرية التى رسخها رسول الله فى حديثه الشريف: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلى»، فالإنسان يجب أن يكون طيب الخلق كريما معطاء مع أهل بيته، فلا يعقل أن يكون حسن التعامل خارج بيته، وليس كذلك داخله، والغريب أنه استطاع خداعك بصورته «الشامخة» ـ على حد تعبيرك ـ طوال معرفتك به، ولم تتبينى حقيقته إلا بعد سنوات من الزواج.

والواضح أن تغيّرا كبيرا طرأ على شخصيته نتيجة غيابه عنكم، مرة لمدة ستة أشهر، ومرة أخرى لمدة سنة برغم أنه أقام بالمنطقة نفسها، أو قريبا منها، وذريعته فى ذلك، خلافاتكما الأسرية أيا كانت تافهة أو جوهرية، وقد تخيل أن هذا الغياب سيجعلك رهن إشارته، أو أنه سيساعده على أن يفعل ما يحلو له دون أن يجد منك لوما أو متابعة لتحركاته، وتجاهل أن البعد عن الأسرة يتسبب فى آثار نفسية واجتماعية سلبية على الجميع وخاصة عليك، إذ أفقدك غيابه حياتكما الزوجية الحميمية، والتى تتمثل فى حديثكما اليومي، ومناقشة أدق الأسرار سواء بالنسبة للأبناء أو التى تخص علاقتكما معا، فهذه العلاقة تتعرض الآن للخطر لأنكما لم تدرسا قضية «الابتعاد» بشكل دقيق وحذر، وكانت النتيجة اعتيادكما البعاد وقسوة القلب، وقد يتبخر الحب الذى ربطكما منذ الصبا، فها أنتما تواجهان صعوبة بالغة فى إعادة بناء حياة زوجية جديدة، بعد أن ولّدت فترات الانقطاع لديك نوعا من الشك فيه، وربما تحدّثين نفسك بأنه لو كان يحبك لما استطاع الابتعاد عنك كل هذه المدة، فدارت الشكوك والظنون فى فكرك، وهذا ما يترجم عدم تقبل كل منكما الآخر بعد الغياب الطويل والمتكرر.

كيف اتخلص من التخيلات الجنسية والعاطفية ؟


إن البعد والفرقة يزيدان القسوة والتشبث بالرأى، ويبدأ كل طرف فى نسيان الآخر وعدم الاهتمام بأخباره، وهنا تكمن المشكلة ألا وهى التعود على هذا الجو، وعدم محاولة استرجاع المشاعر الطيبة التى جمعتكما، ومن الضرورى أن تعيا أن الحياة فيها الجيد والسيئ، وأنكما وحدكما القادران على اختيار ما تريدان لما ستكون عليه مسيرتكما القادمة معا.

لقد أخطأ زوجك بغيابه المعنوى عنكم وحضوره الشكلى فقط، وزاد من أخطائه بإهماله الأبناء، وظن أنه يعوضهم عن ذلك بإغداق المال عليهم، متجاهلا دوره كقدوة ومراقب وناصح، ومعلم.

إن الاتفاق بينكما المبنى على قناعة كل منكما بدوره، هو الحل الأمثل، فكلاكما راع ومسئول عن رعيته، وأفضل الحلول أن يتحمل زوجك الجزء الأكبر من المسئولية لقوامته، وهذا النوع من التفهم للدور المنوط بكل منكما يصنع جوا من التضحية بينكما، فهو يسعى جاهدا ليوفر بعض الوقت لأبنائه، وأنت تعملين على تعويض كل نقص ينتج عن غيابه، ثم يأتى بعد ذلك وضع خطة لتربية الأبناء باغتنام كل فرصة للقاء بهم من جانبه، وتوفير وتهيئة الجو المناسب من جانبك.

وليعلم زوجك أنه رب الأسرة وليس مجرد البنك الذى تأخذون منه المال, وهو الأمان لكم، ومصدر الحب والحنان, فدوره يقوم على رعايتكم وتحقيق راحتكم، وعليه ألا ينسى أن الله سيحاسبه على تقصيره تجاهكم.



إن الرجولة ليست أن يتحكم الرجل فى أفراد أسرته، ولا يهتم بآرائهم، ولا يسعى لإرضائهم، وإنما هى أن يؤدى واجبه تجاههم، وهذا هو المعنى الحقيقى لقوامة الرجل على المرأة، وهى بطبيعتها كائن رقيق المشاعر, وتبحث عن الإحساس بالأمان مع شريك حياتها, وتريد أن يعاملها بلطف ويحسسها بأنها ذو أهمية كبيرة فى حياته، وإذا لم تشعر بالأمان والاحترام والتقدير من شريك حياتها, قد تتركه بلا رجعة, لأن الاهتمام والحب والاحترام والتقدير يجعلها تتحمّل المهام الصعبة، وتستطيع أن تملأ المنزل بالحب والترابط وتجعل من منزلها جنة صغيرة لأسرتها.

ومن أكثر ما يؤلم المرأة هو افتقادها لاشتياق زوجها لها, لأنها تريد أن تظل حبيبته وزوجته, فالإهمال العاطفى من أقسى مراحل الحياة الزوجية, وأيضا عند مرور الزوج بنزوة وتعلم الزوجة أنه قد خانها فقد تسامحه من أجل بيتها وحبها وهو لا يعلم ما تمر به من اضطرابات نفسية بسبب ذلك، وقد يصبح بالنسبة لها شخصا ليست له أى قيمة، وأنه مثل أى شخص آخر.

إن الإهمال يقتل المشاعر المتبادلة بين الزوجين والأسرة، وعليكما أن تعيا ذلك جيدا، فأنت مطالبة بالتقرب إليه، ومشاركته فى كل جوانب حياته، والاهتمام بما يهتم به, وعليه أن يتخلى عن أنانيته, وأن يقوم بدور فعّال فى حياتكم، وأن يفكر فيما يرضيكم، ويأخذ بأيديكم إلى الأمام.



وكل زوجة تبحث عن الرجل الرومانسى العاقل, فهو الرجل الذى يملك رزانة العقل وحسن التفكير، فالمرأة ترى شخصية الرجل المثالى دائما بأنه هذا الرجل العاقل الحكيم، الذى يملك رجاحة العقل التى تهيئه لحل مشكلات الحياة، وبذلك تستطيع الاعتماد عليه، وهى مطمئنة، كما تحب الرجل الذى يثق بنفسه، فلا تستطيع المرأة الفصل بين الثقة بالنفس، وبين شخصية الرجل المثالى، بل إنها ترى أن الرجل لا يستطيع أن يصل إلى مرحلة الشخصية المثالية دون أن يملك الثقة فى النفس التى هى الجسر الذى يستطيع بعبوره أن يحصل على لقب «الرجل المثالى».

والزوجة العاقلة هى التى تدرك أن الرجل المثالى هو «الرجل المتوازن»، بمعنى أن يكون ناجحا فى عمله, وغير مقصر فى حق عائلته, وأن يكون شخصية عاقلة وحكيمة، فصفة «التوازن» من أهم الصفات التى يجب أن تتوافر فى كل الرجال, ومن هنا أنصح زوجك بأن يكون «هذا الرجل»، ومادمت تحبينه، ومازال قلبك عالقا به، فإنى أنصحك بـ «الحوار الإلحاحى»، بمعنى أن ترددى على مسامعه كلمات الحب، وأن تبذلى ما فى وسعك لتقريب المسافات بينكما، وعليه أن يتذكر رابطة الحب التى جمعتكما، وأن يعى مخاطر الانجراف إلى أصدقاء السوء الذين لا يتراجعون عن طريق الخطأ الذى يسيرون فيه، ولا تستقيم لهم حال، ولا تستمر علاقة صداقة، حيث إنهم يبحثون عن مصالحهم لا أكثر، والدليل على ذلك أنه يصاحب كل فترة أصدقاء جددا بعد أن ينصرف عنه القدامى!.

إن الفرصة مهيأة الآن لكى تستعيدوا أيام الحب والسعادة، فليسع كل منكما من جانبه إلى تصحيح مساره، وعدم إتاحة الفرصة لتدخل الآخرين حتى الأهل، فالتدخل الخارجى يزيد الفجوة، ويشعل الخلافات، وأسأل الله أن يهديكما إلى سواء السبيل.


 

Post a Comment

Previous Post Next Post