كيف يكون البر بالوالدين

كيف يكون البر بالوالدين
كيف يكون البر بالوالدين


 
إن الحديث عن بر الوالدين وما يرسله لي الكثير ممن يطلب مني المشورة والرأي بما يتعلق من علاقة الأبناء بالآباء وما يشوبها من مشاكل وعدم تقدير لهم وهذا ربما ناتج من عدم معرفة وادراك قيمة الاباء في حياتنا وكيف نبر لهم ونتعامل معهم بالطريقة التي تناسب ديننا الحنيف .

قرن الله تعالى عبادته وشكره بالوصية بالوالدين والبر بهما ، من هنا يتبين لنا جليًا  عظم هذا الأمر عند الله عز وجل، فلذا أساهم بهذا الجهد المتواضع لنراجع أنفسنا نحو حقوق أمهاتنا وآبائنا علينا في حياتهما ومن بعد موتهما، وبيان فضله في الدنيا والآخرة ، وقد أمر الله تعالي في بر الوالدين في كتابه العزيز { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(24)} }[الإسراء:23- 24] وقَالَ تَعَالَى { {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)} }[لقمان:14]

 

بر الوالدين في الإسلام :

أوصى الله -تعالى- ببرّ الوالدين، وحضّ على ذلك، وورد ذلك في العديد من آيات القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، حيث قرن الله -تعالى- في الآية السابقة بين برّ الوالدين وتوحيده وعدم الإشراك به، وقال ابن كثير -رحمه الله- إنّ من الواجب الإحسان إلى الوالدين؛ لأنّهما السبب في وجود الأبناء بعد الله تعالى. كما أنّ برّ الوالدين من صفات الأنبياء والرسل عليهم السلام، وممّا يحصل عليه الابن ببرّ والديه استجابة دعاءهما له، كما أنّ رضا الله -تعالى- على عبده من رضا والديه عليه، وبيّن الله -تعالى- أنّ البرّ بالأم مقدّمٌ على البرّ بالأب، ودليل ذلك قوله: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) كما أنّ الإسلام لا يمنع من برّ الوالدين الكافرين، لعلّ البرّ بهما يكون الطريق إلى إسلامهما، حيث قال الله -تعالى- في القرآن الكريم: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، حيث قال الإمام القرطبي أنّ الآية السابقة تدلّ على برّ الوالدين الكافرين، مع الحرص على دعوتهما إلى الإسلام برفقٍ ولينٍ.

 

تقديم حق الأم في البر وثوابه  :


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ».(1) وعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ- ثَلَاثًا - إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ» " . (2)   وعن بَهْز بْن حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي قَالَ: « قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ» قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ»

 

وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ: "وَيْحَكَ، أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "ارْجِعْ فَبَرَّهَا" ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ، أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ: "وَيْحَكَ، أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَبَرَّهَا" ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ أَمَامِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ، أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ: "وَيْحَكَ، أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "وَيْحَكَ، الْزَمْ رِجْلَهَا، فَثَمَّ الْجَنَّةُ» ". (4) " وَيْحَكَ، الْزَمْ رِجْلَهَا " وهو كناية عن لزوم خدمتها، والتواضع، وحسن الطاعة لها. واللَّه تعالى أعلم.  " فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا " أي نصيبك من الجنة لا يصل إليك إلا برضاها.

وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «نِمْتُ، فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ " فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَذَاكَ الْبِرُّ، كَذَاكَ الْبِرُّ" وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّه» .

وَعَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ مَيَّاسٍ ، قال: كُنْتُ مَعَ النَّجَدَاتِ  فَأَصَبْتُ ذُنُوبًا لاَ أَرَاهَا إِلاَّ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ , قَالَ: مَا هِيَ؟ , قُلْتُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ مِنَ الْكَبَائِرِ، هُنَّ تِسْعٌ: الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ نَسَمَةٍ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَإِلْحَادٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَالَّذِي يَسْتَسْخِرُ، وَبُكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْعُقُوقِ , ثُمَّ قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَتَفْرَقُ النَّارَ ، وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ , قُلْتُ: إِي وَاللهِ، قَالَ: أَحَيٌّ وَالِدُكَ؟ , قُلْتُ: عِنْدِي أُمِّي، قَالَ: فَوَاللهِ لَوْ أَلَنْتَ لَهَا الْكَلاَمَ، وَأَطْعَمْتَهَا الطَّعَامَ، لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ , مَا اجْتَنَبْتَ الْكَبَائِرَ.


قصة أصحاب السبت عبر ودروس

 

ثمرات بر الوالدين:

 يعدّ برّ الوالدين من أجلّ وأفضل الأعمال الصالحة، وقد جعل الإسلام لهذا العمل فضلاً كبيراً، وثمراتٍ عديدةٍ في الدينا والآخرة، وفيما يأتي بيان بعضٍ منها:[١٠] يعدّ برّ الوالدين من أفضل الأعمال إلى الله وأحبّها، حيث سُئل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (أيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى اللهِ؟ قال: الصَّلاةُ لوقتِها، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: بِرُّ الوالدَيْنِ).

يزيد الله -تعالى- في رزق البارّ بوالديه، ويمدّ في عمره، حيث قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (من سرَّه أن يُعظِمَ اللهُ رزقَه، وأن يُمِدَّ في أجَلِه، فلْيَصِلْ رَحِمَه).

استجابة دعاء الوالد لابنه البارّ، حيث رُوي عن الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (ثلاثُ دَعواتٍ لا تُرَدُّ: دعوةُ الوالِدِ لِولدِهِ).

برّ الوالدين من السعي في سبيل الله، حيث قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (وإن كان خرج يسعَى على أبوَيْن شيخَيْن كبيرَيْن فهو في سبيلِ اللهِ).

استجابة دعاء البار بأمه :

عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ" فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ، قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ، قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ، قَلِيلَ الْمَتَاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: "يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ" فَأَتَى أُوَيْسًا فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَة.

 

 

تَقْدِيمِ بِر الأم عَلَى التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا:

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: « كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ. قَالَ حُمَيْدٌ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِعٍ صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِصِفَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ، كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي، فَقَالَ: اللهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَرَجَعَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي، قَالَ: اللهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ، فَقَالَتْ: اللهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ وَهُوَ ابْنِي وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ، فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، اللهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ. قَالَ: وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ. قَالَ: وَكَانَ رَاعِي ضَأْنٍ يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ، قَالَ: فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْقَرْيَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي، فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقِيلَ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: مِنْ صَاحِبِ هَذَا الدَّيْرِ، قَالَ فَجَاءُوا بِفُئُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلِّي، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، قَالَ: فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: سَلْ هَذِهِ، قَالَ فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ قَالُوا: نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَابًا كَمَا كَانَ، ثُمَّ عَلَاهُ» .

  اهتمامه صلى الله عليه وسلم ببره بأمه بزيارتها في قبرها: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي» " .

وفي رواية: " «زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» " . (14) وعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَرَأَى رَجُلًا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَامِلًا أُمَّهُ وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلْ                     إِنْ ذُعِرَتْ رِكَابُهَا لَمْ أُذْعَرْ أَحْمِلُهَا مَا حَمَلَتْنِي أَكْثَرْ                 أَوْ قَالَ: أَطْوَلْ. أَتُرَانِي يَا ابْنَ عُمَرَ جَزَيْتُهَا؟ قَالَ: " لَا وَلَا زَفْرَةً وَاحِدَةً ".

وعَنْ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى أُمِّ هَانِئِ ابْنَةِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ رَكِبَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَى أَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ فَإِذَا دَخَلَ أَرْضَهُ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: عَلَيْكِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا أُمَّتَاهُ، تَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، يَقُولُ: رَحِمَكِ اللَّهُ رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا، فَتَقُولُ: يَا بُنَيَّ، وَأَنْتَ فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَرَضِيَ عَنْكَ كَمَا بَرَرْتَنِي كَبِيرًا.

الوصية بالإحسان للأقرب إلى الأمهات : عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " «لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ، كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» ".

  عظم حق الوالد : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» ».

أبْواب الجَنَّة

 

تقدم بر الوالدين عن الهجرة والجهاد في سبيل الله


عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنِّي جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَقَدْ تَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ قَالَ: "ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» .

 وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: « «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» ».


بر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله وأفضلها :

 عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَ «يُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» .
وفي رواية بأنه من أفضل الأعمال فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: « سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ العَمَلِ  أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى مِيقَاتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي»

يُمد للبار لوالديه في عمره ويُزاد له في رزقه :

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ،قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَأَنْ يُزَادَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»

 

بر الوالدين من أسباب تفريج الكروب :

 عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " « بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا اللهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ، حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ،...» "

الوالد أوسط أبواب الجنة ومن أسباب رضا الرب:

عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ لِيَ امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « «الوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ البَابَ أَوْ احْفَظْهُ» قَالَ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: رُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّ أُمِّي وَرُبَّمَا قَالَ: أَبِي» .(25)   وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « «رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ ».

مدن العرب في التاريخ الإسلامي


استجابة دعاء الوالد لابنه البار :

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ» ". (27) وفي رواية : " «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ » ". (28)   بر الوالدين أو الأقرب لهما من أسباب قبول التوبة : عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَجُلٌ، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا كَبِيرًا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟، فقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  «أَلَكَ وَالِدَانِ؟ »، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَكَ خَالَةٌ»؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَبِرَّهَا إِذًا». (29) وعن عطاء ، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : إِنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي وَخَطَبَهَا غَيْرِي، فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ ،فَغِرْتُ عَلَيْهَا فَقَتَلْتُهَا ،فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: تُبْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ مَا اسْتَطَعْتَ، فَذَهَبْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى الله عز وجل من بر الوالدة.  

البار بوالديه الساعي عليهما هو في سبيل الله :

عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة، قَالَ: «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِلْدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ» ».  

وجوب بر الوالدين ولو كانا مشركين :

 قَالَ تَعَالَى: { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) }[لقمان: 14- 15]   وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُدَّتِهِمْ مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِيهَا».

 

بر الوالدين في حياتهما :

الدعاء لهما، وهو من أوجب وأحرى الأعمال التي يستطيع الإنسان أن يقدّمها لوالديه، فيدعو لهما بالرحمة والمغفرة، والهداية والصلاح، وتيسير الأمور، وحسن الخاتمة، ورضا الله -تعالى- عليهما. الصدقة عنهما، وقد يكون ذلك في إنشاء وقفٍ خيريٍ باسمهما، وذلك قد يكون ببناء مساجدٍ، أو حفر آبارٍ، أو طباعة مصاحف، وما إلى ذلك، من نشرٍ للخير والعلم، وبذلك ينال الوالدان الأجور المستمرّة حتى بعد وفاتهما، وذلك من عظيم أنواع البرّ بهما. الترويح عنهما، وتقديم شيءٍ من الرفاه لهما، وإن لم يطلبا ذلك. المبالغة في التوقير والاحترام، ومن ذلك؛ تقبيل الرأس واليد تحبّباً، وتواضعاً لهما. مدحهما وذكر فضلهما، فإنّ الوالدين قدّما لابنهما في حياته الكثير من الأفضال؛ بالمال، والنصح، والإرشاد، والتوجيه، والتحفيز وغير ذلك، فإن مدح المرء والديه وذكّرهما بذلك في كبرهما، كان ذلك من طرق برّهما، وإدخال السرور إلى قلبيهما. تفقّد حاجاتهما وقضائها. مشاورتهما في بعض الأمور الخاصة؛ كالتخصص الجامعي، أو الزواج، أو السفر، والسكن، وغير ذلك. حسن الاستماع إليهما، وإعطائهما الاهتمام إذا تكلّما، وإشعارهما بالتفاعل بما يناسب كلامهما؛ من تحريكٍ للرأس، أو موافقةٍ للكلام، وإظهار الابتسام متى استلزم ذلك. الاتصال بهما إن كانت الزيارات قليلةٌ أو صعبةٌ، فإنّ الاتصال يظهر شيئاً من الودّ والاهتمام، إن كان الحضور صعباً. التراجع حتى عن اليمين إذا شعر الإنسان أنّ يمينه قد ألحقت ضرراً، أو رأى أنّ مرضاة والديه في سواها، ما لم يكن أمرهما فيه معصيةٌ لله تعالى. إجابة ندائهما دون تراخٍ، وقد رأى بعض العلماء أن يخرج الإنسان من صلاته إذا كان يصلّي نافلةً، ليجيب نداء والده، وبعضهم رأى أن يقطع الفريضة إن كان معه متسعٌ من الوقت لقضائها.

حل السحر باستعمال ورق السدر

 

بر الوالدين بعد مماتهما :

 يمكن للمسلم البرّ بوالديه بعد موتهما، من خلال: إرسال الدعوات إليهما، والاستغفار لهما، فهو من العمل الصالح الذي يستمرّ للوالدين بعد وفاتهما، حيث قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث...أو ولدٌ صالحٌ يدعو له).[٤] صلة أصدقاء الوالدين، والاستوصاء بهم وإكرامهم، فعبد الله بن عمر -رضي الله عنه- كان حريصاً على برّ أصدقاء وأهل والده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث يُروى عنه: (أنّه كان إذا خرج إلى مكةَ كان له حمارٌ يتروَّحُ عليه، إذا ملَّ ركوبَ الراحلةِ، وعمامةً يشدُّ بها رأسَه، فبينا هو يوماً على ذلك الحمارِ، إذ مرَّ به أعرابيٌّ، فقال: ألستَ ابنَ فلانِ بنِ فلانٍ؟ قال: بلى، فأعطاه الحمارَ، وقال: اركب هذا والعمامةَ، قال: اشدُدْ بها رأسَك، فقال له بعضُ أصحابِه: غفر اللهُ لك، أعطيتَ هذا الأعرابيَّ حمارًا كنت تروحُ عليه، وعمامة ًكنت تشدُّ بها رأسَك، فقال: إنّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول: إنَّ مِن أَبَرِّ البِرِّ صلةُ الرجلِ أهلَ وُدِّ أبيه، بعد أن يُولِّيَ وإنَّ أباه كان صديقاً لعمرَ).[٥] أداء بعض العبادات عنهما بعد وفاتهما؛ كالحجّ، أو قضاء الصيام.

الدعاء: فما استجلبت الخيرات بمثله، وهكذا كان هدي الصالحين يضرعون إلى بارئهم أن يوفقهم لبر والديهم وأن يكون آباؤهم وأمهاتهم راضين عنهم، قال - تعالى -{رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه.. } الآية.
 تذكر نعمة وجودهما وأنهما راحلين: أجل إن هذين الوالدين اللذين يستنير البصر برؤيتهما وينجلي الحزن بابتسامتهما وتتوالى المسرات بفرحهما.. هذان الوالدان قد يأتي يوم يُصّدِّع القلب مَسَاؤه ويُفَطِّر الكبد صباحه، حيث تصبح أو تمسي وقلبك مجروح بفقد أحد والديك، وغيابه عن ناظريك.. فهل تأملت تلك اللحظات العصيبات!! إن وجود والديك أو أحدهما نعمة عظمى ومنحة كبرى، فبادر بشكرها بعظيم برهما، وعمل كل أمر يسرهما..
تذكر الأجر المرتب على برهما: الوالدان باب من أبواب الجنة، إذا بررتهما وقد يكونان سبباً في شقائك إن أنت أسرفت في عقوقهما، فإذا تذكرت ما في برهما من الأجر الجزيل وما في عقوقهما من الإثم العظيم كان ذلك دافعاً قوياً للحرص على برهما.
 كما تدين تدان: نعم.. كما تدين تدان وكما تبر والديك اليوم فسيكون بر أولادك لك غداً.. وأيضاً كما تعق والديك اليوم، فمن ورائك عقوق أبنائك لك غدا. والجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحداً.. فاحذر أن تُشقي نفسك فتشقي أبناءك معك ومن بعدك..
 أداء الدّين عنهما: خاصة إذا كانت لهما تركة فقد وجب القضاء من تركتهما قبل قسمة الميراث، وإن لم يكن لهما مال وعليهما دين فإن الواجب عليك أن تسارع إلى تسديد هذا الدين عنهما براً لهما وإحساناً..
إنفاذ الوعود التي وعدها أبواك، فيستحب لك أن تفي وتنجز لهما ما وعدا وفاءً لهما وابتغاء الأجر والثواب من الله - عز وجل -.
ترك النياحة عليهما إذا ماتا: لأن النياحة لا تفيد بل تضر.. أما مجرد البكاء مع دمع العين وحزن القلب فلا جناح على من صدر منه ذلك، ولنا في رسول الله أسوة حينما مات ولده إبراهيم..
الصدقة الجارية: فهي تفيد الميت مما يصل ثوابها إليه.. وقد نقل الإمام النووي - رحمه الله - الإجماع على ذلك. شرح صحيح مسلم (4/167). ومن أفضل الصدقات الجارية سقيا الماء، كما قال أهل العلم..
 الصيام عنهما إذا ماتا وعليهما صوم.. مصداقاً لقوله - صلى الله عليه وسلم - (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه ). والحديث في الصحيحين.
الحج عنهما إذا ماتا ولم يحجا. لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة التي أتت تسأل عن أمها، فقال: (حجي عنها ). والحديث في الصحيحين. وحتى إذا كانا كبيرين ولا يستطيعان الحج.. والعمرة أيضاً جائزة عن الوالدين.
استرضاء الخصوم: كأن تكون بين والدك وبعض الناس قبل الممات شحناء وخصومة، فقم بطلب العفو عن أبيك ودعائهم له، وكذا عن والدتك.
صلاة الولد على والديه بعد مماتهما: إن أمكن أن يصلي عليهما صلاة الجنازة كإمام للمصلين، فعل ذلكº لأن الابن في الغالب يكون أشد إخلاصاً في الدعاء لوالديه والله - تعالى -أعلم.
أن تصل أهل ود أبيك أو أمك: وذلك كما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه) صحيح مسلم وذلك أيضاً من حسن العهد ومن الوفاء والصلة المحمودة.. فواصل صلة الرحم التي كان يصلها أبوك ولا تقطعها..
واصل مسيرة الخير التي سار فيها والدك: إن كان والدك يعطي الفقراء والمساكين، فواصل العطاء ولا تبخل على هؤلاء..
أصلح ما أفسده والدك: بمعنى إن كان والدك قد اقترف سوءاً أوجره إلى مسلم أو ظلم شخصاً أو قطع رحماً.. الخ ، فعليك إن كنت تريد رحمة والدك مما هو فيه من العذاب، أن تصلح ما أفسده..

 

أساليب تجلب رضا الوالدين..


 ألا تحد النظر إليهما. أي لا تحد النظر إليهما أثناء الحديث معهما..
لا ترفع صوتك عليهما. أثناء الحديث أو طلب شيء أو الاستفسار عن شيء.
لا تسبقهما بحديث. بمعنى ألا يتكلم في وجود من هم أكبر سناً منه ولاشك فالوالدان أعظم حقاً من سائر الكبار.
لا تجلس أمامهما وهما قيام. وهذا أدب نبوي علمنا نبيا - عليه الصلاة والسلام -.
 لا تؤثر نفسك عليهما بطعام ولا بشراب. ففي قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبقت عيلهم الصخرة، وكيف أن أحدهم ظل واقفاً باللبن على باب والديه حتى طلع الفجر فشربا قبل أن يشرب هو وأولاده..
طلب الاستغفار من الوالدين. ورضى الوالدين مطلب.. فمهما أحسن إليهما من إحسان وصنع إليهما من معروف فلن يوفيهما حقوقهما.
 ألا تسب والديك ولا تجلب لهما السباب.. كما في الحديث الصحيح: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه. رواه مسلم وهذه أمور إن فعله الولد مع والديه لم تكن من العقوق.. 1- شهادة الحق على الوالدين، خاصة إذا كان عليهما حق.. فهذا ليس من العقوق في شيء، بل هي عين البر.
ترك التعصب الجاهلي والجدال عن الآباء بالباطل.. وليتذكر المؤمن أن هذه العصبيات تنقطع يوم يقوم الأشهاد..
عدم الحلف بالآباء، فليس من البر أن تحلف بهما بل هذا عمل محرم.
عفو الولد عن قاتل أبيه، خاصة القتل الخطأ.. اللهم إن كان القاتل من المفسدين في الأرض.. فإراحة الناس من شره مطلب حينئذ..
تحاكم الولد مع والده.. فإنه إذا ظلم الوالد والده فرفعه الولد إلى قاض أو حاكم، فهذا ليس من العقوق إذا كان لرفع ظلم أو لإثبات حق أو لفض نزاع.. أما إذا كان ذلك لإهانة الوالد أو للتشهير به أو لابتزازه بلا سبب فهذا حرام وهذا عقوق وهو من الكبائر.
 إذا أعضل الرجل ابنته فأبى أن يزوجها مطلقاً، وهي تخشى الفتنة على نفسها.. فابتداءاً الله لا يحب الفساد، فعليه يجوز أن ترفع أمرها إلى السلطان، فإن السلطان ولي من لا ولي له.
 الحجر على الأب السفيه أو على الأم السفيهة: ابتداءاً عندنا من النصوص كم هائل ينهى عن الفساد في الأرض ويأمر بإصلاحها.. وهي نصوص تعم القريب والبعيد وتنسحب على الوالدين وغيرهما.. ولا تنافي بين هذه النصوص ولا تعارض بينها وبين الأمر بالإحسان إلى الوالدين وبرهما وطاعتهما.. فأي بر أعظم من بر تصحبه إلى الجنة ويؤول بالشخص إلى الجنة ويقوده إليها.. فإذا كان الوالد من المفسدين في الأرض ويريد إجبار ولده على السير في طريق الفساد، فلا طاعة حينئذ.. وينبغي أن يصاحب عدم الطاعة هذا بالحكمة والموعظة الحسنة..
 الاستدراك على الوالدين، أو اختيار رأي غير رأيهما: خاصة إذا كان في استدراكه صواب وخير ومعروف. وليبرز ذلك بطريقة حسنة مكللة بالوقار والخلق الرفيع والأدب الحسن.
الاستفسار من الوالد عن الأمر الغامض: بسبب تصرف سلكه الوالد معه فضايقه أو آذاه.. وكل ذلك بأسلوب حسن.
ترك التسمية بأسماء الآباء أو الأجداد: لاشك أن من البر أحياناً أن يسمي الرجل ولده باسم أبيه، فإذا كان الوالد من الصالحين واسمه اسم طيب له مدلوله الطيب الحسن واسم من الأسماء التي حض عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فالتسمية باسمه حينئذ فيها بر وإحسان، خاصة إذا كان ذلك يسعده.. أما إذا كان الوالد من الغواة الآثمين، فالتسمية باسمه قد يكون فيها إحياء لذكره ولمآثره السيئة بما يحمل على اتباعه فيها، فحينئذ قطع دابره بترك التسمية باسمه أولى.. وكذلك إذا كان الاسم ليس له مدلول طيب، فتركه أولى كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. أما إذا كان اسم الوالد أو الوالدة لا يحمل مدلولاً طيباً ولا خبيثاً، وأراد الوالد أو الوالدة أن يتسمى به الحفيد، وأراد ابنهما أن يتسمى ولده باسم له مدلول طيب، فلا يجبر الابن على أن يسمي ولده باسم أبيه أو أمه، وذلك لأن المولود أيضاً له حق في أن يحظى بطيب الأسماء والله أعلم.
إذا طلق الرجل امرأته وكان له منها ولد، وكان هذا الولد مع أحدهما فأمره بعدم زيارة الآخر وعدم بره.. فلا طاعة له حينئذ، لأنه يدعو لقطع الرحم والطاعة إنما تكون في المعروف. اللهم إلا إذا كان المنع بسبب الفساد في الدين والأخلاق.. والله - تعالى -أعلم.
 التفدية بالأب أو الأم لفظاً، كقول القائل: فداك أبي وأمي، فهذا جائز والأدلة في هذا الباب كثيرة كقول النبي
- صلى الله عليه وسلم - لسعد: (يا سعد ارم فداك أبي وأمي).
عدم طاعة الوالدان في تطليق الزوجة، الأصل في المسألة أن الوالدين إذا كانا صالحين ولايأمران بظلم وكان سبب الطلاق له وجه شرعي.. لزم الولد أن يطلق زوجته وإن كان يحبها، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.. أم إذا كان الوالدان أو أحدهما من السفاهة والطيش بمكان، وكانا من البعد عن الدين أيضاً.. فحينئذ فأمرهما ليس برشيد، وما أمرنا الله بطاعة السفهاء الذي يفسدون في الأرض ولا يصلحون.. فلم يقل أحد بطاعة السفيه فيما يدعو إليه
من تشتيت الأولاد وتدمير الأسر..
 للفتاة أن تعرض عن رأي والدها إذا أجبرها على الزواج من شخص لاترضاه، وكان الإعراض له وجه شرعي..
كأن يكون المتقدم فاسقاً.. ومعروف عنه الشر والفساد.. لا أن ترفضه وتعارض بحجة إكمال الدراسة أو لم يئن الأوان بعد..
 وللولد أن يرفض الزواج من فتاة لا يريدها وكان ملزماً من أحد الأبوين.. وأنه إذا امتنع لم يكن عاقاً، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى .
إلى غيرها من الأمور التي قال فيها أهل العلم أنها ليست من العقوق.. والله - تعالى -أعلم..

 

بعض الأساليب والطرق في تجنب عقوقهما و من ثم برهما :


إن من العقوق أن يدع الإنسان والديه من غير معيل لهما، ولا يرعاهما ويترك الإنفاق عليهما وهما محتاجان له، ومن ذلك أن بعض الناس إذا تزوج خرج من بيت والده من غير أن يستأذنه ويستأذن أمه طبعاً هذا إذا دعت الحاجة لخروجه -، أما إذا لم تكن هناك حاجة لخروجه فليبق معهما لتكتحل عيونهما برؤيته وتقر قلوبهما بحضرته، وليضع نفسه في مكانهما وقد أراد ابنه أن يفارقه فلا يراه في اليوم إلا مرة أو نحو ذلك، ماذا يكون شعوره؟!
وليحذر الولد ذكراً أو أنثى مما يغضب والديه، وليتجنب دعاءهما باسمهما مجرداً، بل يقول يا أبتاه.. يا أماه .. ونحوهما من ألفاظ التبجيل والتكريم.
 إن بعض الأبناء حين يكبر ويصير له عمل يتقاضى مقابله مالاً، لا يقوم بتقديم ولو جزء يسير منه لوالديه أو أحدهما، إن ذلك الجزء اليسير له مقام عظيم في نفس الوالدين لأنهما أحسا وتيقنا اهتمام ولدهما بهما.
أن بعض الأولاد تجده كريماً مع أهله من زوجة وولد ومع أصدقائه، فيسبغ عليهم العطايا والهدايا، ولكن هل دعته نفسه الخاطئة أن يقدم هدية لوالديه أو أحدهما إنها في الواقع ليست بهدية بل رد لبعض جزء من دين عظيم وضخم ينوء به كاهله.
أيها القارئ، أيتها القارئة: بادر من ساعتك إلى محفظة نقودك وتوجه لأقرب مكان تظن أن به حاجة يريدها والداك أو أحدهما.. ساعة.. سوار.. عطر.. ملابس.. الخ. ولتتقدم بها لوالديك وأردفها بكلمات الاعتذار عن تأخرها عن وقتها، وليكن هذا هو دأبك بين الحين والآخر.. تحمد عاقبة ذلك بإذن الله.
 أن بعض الناس تراه في المجالس بشوشاً مبتسماً حسن الخلق فرحاً مسروراً، يختار من الكلام أحسنه وأليقه، ولكن عند والديه تجده محزوناً كئيباً منعقد اللسان إلا بجارح الكلام.. فيا أيها الفاعل لذلك والمفرط فيما هو واجب عليك، هلا أدخلت على والديك السرور بأن تكون طلق الوجه في محيا والديك فتقابلهما بالبشر والترحاب وأطيب ما تجد من الكلام، هلا بادرت إلى تقبيل رأسيهما في كل صبح ومساء.. افعل.. وبادر.. تحمد عاقبة ذلك.
أن بعض الأبناء تركوا قضاء حاجيات والديهم وحملوا فعل ذلك للسائق والخادم، ولا يخفى خطأ ذلك.
فيا أيها العاق.. فلما ترعرع جسمك واشتد أمرك وبلغت سن الرجاء والأمل جازيت بالإحسان إساءة وبالوصل قطيعة
وبالتواضع غلظة وفظاظة، وبالتربية جفاءً وبالدنو بعداً، وبالمحبة نفوراً، وبالبذل والعطاء منعاً وبخلاً، فقطعت ما أمر الله به أن يوصل، ومنعت ما أمر الله به أن يبذلº وكم ليلة باتا ساهرين لسهرك باكيين لبكائك، متململين لألمك،
طاويين إذا لم تأكل مهمومين إذا لم تفرح، فكان جزاءهما منك أن أبكيت عيونهما وأسهرت ليلتهما وضيقت صدورهما .. وكأنك موكل بخلافهما ومنتصب لعقوقهما.. فوا عجباً لهذا الميزان الناقص والجزاء الفاضح..

أبو بكر الصديق وتاريخ نشأته وإسلامه

 

أجمل ما قيل في بر الوالدين :

أسهل الطرق لإرضاء ربّك؛ هي إرضاء والديك. إن الله تعالى قسّم هذه الحقوق وجعلها مراتب، وأعظم تلك الحقوق الحق العظيم، بعد حقّ عبادة الله سبحانهُ وتعالى وإفراده بالتوحيد، وهو الحقّ الذي ثنّى به سبحانه وما ذكر نبيًّاً من الأنبياء، إلاّ وذكر معه هذا الحقّ، الذي من أقامه يكفّر الله به السيئات، ويرفع به الدرجات، ألا وهو الإحسان للوالدين. قلب الأم حفرة عميقة؛ ستجد المغفرة دائماً في قاعها. أيّها الابن: الوالدان؛ بابان للخير مفتوحان أمامك، فاغتنم الفرصة قبل أن يغلقّا، واعلم أنّك مهما فعلت من أنواع البرّ بوالديّك؛ فلن ترد شيئاً من جميلهما عليك. برّ الوالدين؛ أن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما فيما أمراك، ما لم يكن معصيّة. لما ماتت أم إياس بن معاوية بكى عليها، فقيل لهُ: ما يبكيك، فقال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة؛ وأغلق أحدهما. اكسب طاعة ابنك بطاعة والديك، لا يغلق أمامك باب، إلا ومفتاحهُ؛ ببرّ والديك. ما من مؤمن لهُ أبَوّان فيصبح، ويمسي، وهو محسن إليهما؛ إلّا فتح الله له بابيّن من الجنّة. تسقطُ الرجولةُ؛ إذا ارتفع صوتك على من تعب في تربيّتك. برّ الوالدين ليس شعارات ترفع؛ إنّما هو تطبيق عمليّ. يمكنك أن تنسّيني كل شيء؛ إلّا ما تعلّمته من أمّي. الكون على اتّساعه لا يضاهي أبداً سعة قلب أبي. إن رجلاً من أهل اليمن حمل أمه على عنقه، فجعل يطوف بها حول البيت، وهو يقول: إنّي لها بعيرها المدلل، إذا ذعرت ركابها، لم أذعر وما حملتني أكثر، ثم قال لابن عمر: أتراني جزيتها؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما: لا، ولا بزفرة واحدة من زفراتِ الولادة. من قال أفٍ فقد عقَّ والديه، فكيف بمن قال أعظم من ذلك، وكيف بمن قاطعهما أو أساء إليهما. إذا جعلك والديك أميراً مدللاً في صغرك، فاجعلهم ملوكاً في كبرك. إنّ من أعظم حق الوالدين؛ أن قرن الله حقهما بحقه في كتابه الكريم، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فالله له نعمة الخلق والإيجاد، والوالدين لهما بعد الله؛ نعمة التربية والإيلاد. أحنّ إلى الكأس التي شربت بهِ أُمي، وأهوى لمثواها التّراب وما ضمَّ. علمتّني يا أبي معنى السعادة، وأهديتَني من طيبة قلبك قلادة، وجدتُ فيك الوفاء بكبرِ الوطن والبلدان، وأنت الوطن الذي عشت رافعاً رأسي لهُ. طيبة الأب أعلى من القمم، وطيبة الأم أعمق من المحيطات. كما أعطوك حقك في ضعفك؛ فلا تنسَ حقهما في ضعفهما. برّ الأم والأب طريق للدخول الجنة، إذا تريد أن يبرّك أبناؤك فبرّ والديك. إن الله ليعجل هلاك العبد إذا كان عاقّاً لوالديه ليعجل له العذاب، وإن الله ليزيد في عمرِ العبد؛ إذا كان باراً؛ ليزيد برّاً وخيراً. كل معصية تؤخر عقوبتها بمشيئة الله إلى يوم القيامة، إلا العقوق؛ فإنّه يعجل له في الدنيا، وكما تدين تدان. أطع الإله كما أمر، واملأ فؤادك بالحذر، وأطع أباك فإنّه ربّاك من عهد الصّغر.

Post a Comment

Previous Post Next Post